حسن الأمين

314

مستدركات أعيان الشيعة

وصرح فاروق تصريحا قويا في هذا الشأن ، وكان مما قاله ما معناه : أن موقفنا من دول العالم سيكون حسب موقف كل منها من قضيتنا وحربنا . وكان تصريحه هذا - ويؤسفني أني لا أحتفظ بنسخة من نصه - يبرزه ملكا عربيا كاعرق الناس في العروبة وأشدهم التزاما بكل أمر من أمورها حتى دخول الحرب من أجل ذلك . ومن المؤسف أن موقف فاروق هذا استغل بعد ذلك لمحاربة سمعته أبشع استغلال فنسب إليه ما سموه بقضية ( الأسلحة الفاسدة ) وزعموا أنه هو الذي دبر أمرها واشتراها مع علمه بفسادها جنيا للمال . وصدقهم الناس وتداولتها صحافتهم ومجالسهم في كل مكان ، ونسي هؤلاء الباهتون أن أمجاد الجيش المصري حين يحقق أمجادا بانتصاراته هي أمجاد لفاروق قبل أن تكون أمجادا لغيره ، وأن محن ذلك الجيش هي محن لفاروق . وأن أمجادا كهذه الأمجاد لا يبيعها فاروق ولا غير فاروق ممن هو في منزلته أو دون منزلته بحفنة من الجنيهات ، وأن تلك المحن لا يشتريها أي إنسان لنفسه مهما كان شانه . هكذا يكتب التاريخ لا سيما تاريخ العرب والإسلام في كل زمان ! . . . أقول هذا ، ويعلم الله أنني من أشد الناس مقتا لفاروق - كما كررت القول - ومن أكثرهم استبشارا بسقوط عرشه ، ولكن الحق فوق كل شيء فإذا مقتنا فاروق لسيئاته ، فعلينا أن لا ننكر حسناته . ومن مواقف فاروق العربية التي تذكر له تدبيره لجوء عبد الكريم الخطابي بطل ثورة المغرب على الاسبان ، تدبير لجوئه إلى مصر . وقد روى محمد علي الطاهر قصة هذا اللجوء لإحدى الصحف بما نلخصه فيما يلي : عزمت فرنسا سنة 1947 على نقل الأمير عبد الكريم وأسرته من منفاهم في جزيرة ( رونيون ) في المحيط الهادي إلى جنوب فرنسا . يقول الطاهر : في ذات يوم أظنه 23 أيار ( مايو ) سنة 1947 تلقيت برقية من صديق لي في عدن هو السيد حسين الأهدل يقول فيها : أن الأمير عبد الكريم الخطابي أبحر من عدن إلى فرنسا في باخرة ذكر اسمها ، فتأملت تلك البرقية وأخذت أتصور صورا شتى لغرض صديقنا من إرسالها . . . ثم يقول الطاهر : كلفت أحد أصدقائي وهو يشتغل في القصر الملكي كاتبا عند رئيس الديون ، بان يستفهم من هنا وهناك أين يسهر الملك فاروق في ذلك المساء ومتى يعود ، وفي أي قصر ينام في تلك الليلة ، فعاد وهو يقول أن الملك سيسهر كعادته في ( مربع الأوبرج ) ويغادره حوالي الثانية صباحا إلى قصر القبة . . وفي منتصف الليل أبرقت إلى الملك فاروق بقصر القبة أقول له أن الأمير عبد الكريم الخطابي مجاهد الريف العظيم وأسير فرنسا سيمر بقناة السويس في الباخرة ( كاتومبا ) يوم 30 أيار 1947 . ثم ناشدت الملك فاروق أن ينقذ الأمير وأسرته من الأسر ، وأن ينزله في كنفه . ويسترسل الطاهر قائلا : وفي صباح اليوم التالي طلبت من صديقي أن يذهب إلى مدير قصر القبة ويستفهم منه عن مصير البرقية . وبعد ساعات عاد وهو يقول أن الملك فاروق وصل بعد الثانية صباحا فوجد رئيس الحرس ينتظره ، فسلمه البرقية . وأن فاروق قال : ابعثوا إلى رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي بان يحضرا قبل الظهر لمقابلتي . ويكمل الطاهر حديثه : أترك الكلام عما جرى بعد ذلك للوزير كريم ثابت المستشار الصحافي للملك فاروق لأنه كان يعيش في صميم القصر . وكانت حكومة الثورة قد سجنت كريم ثابت بعد ترحيل فاروق فخطر لها أن تستفيد من معلومات كريم ثابت عن أمور الملك الداخلية فطلبت منه أن يدون لها أهم ما كان من ذلك التاريخ ، فكتب ذكرياته فنشروها في جريدة الجمهورية تباعا . وقد قال عن قضية الأمير عبد الكريم في العدد الصادر في 2 أيار ( مايو ) 1956 ما نصه : . . . فلو لا برقية تلقاها الملك فاروق لما عرف أن عبد الكريم سيمر بمصر إلا بعد مروره بها ، أو لما خطر له أن يقدم على ما أقدم عليه . فقد أبلغه مرسل البرقية أن عبد الكريم بطل المغرب سيمر بالسويس يوم كذا في الباخرة كذا في طريقه من منفاه إلى فرنسا واستحلفه باسم العروبة والجهاد في سبيل الله أن يعمل على إنقاذه وإنزاله في مصر واستضافته فيها ليعيش هو وأهله تحت حماية مصر وضيافته . وكذلك عرفت البرقية الملك فاروق بالنبا والخطة التي تتبع لانقاذه في آن واحد ، فأعجبته الفكرة وقرر تنفيذها فورا ، فدعا إليه الأمير ألاي محمد حلمي حسين وأمره أن يقابل الأمير عبد الكريم سرا عند وصول بآخرته إلى ميناء السويس ، ويبلغه أنه أوفده إليه ليقترح عليه الالتجاء إلى مصر والاحتماء بملكها . واتصل حلمي بك بالقصر الملكي تلفونيا من السويس وأبلغه أنه اجتمع بعبد الكريم وكاشفه بموضوع مهمته خلسة فوعده بالتفكير فيه والرد عليه عند وصول الباخرة إلى بور سعيد . وفي بور سعيد صعد الأمير ألاي حلمي حسين بك إلى الباخرة مرة أخرى - وكان قد سبقها بالقطار - ليقف على رأي الأمير الخطابي ، فقال له الأمير أن رأيه استقر على قبول دعوة الملك مع الشكر والامتنان . وعند ذلك لقنه حلمي بك تفاصيل التمثيلية التي مثلت بعد ذلك لكي تستطيع السلطات المصرية أن تقول أن عبد الكريم وشقيقه الأمير محمد وضعاها أمام الأمر الواقع بالتجائهما للملك ( انتهى ) . . ومن الظلم الفاحش ما جرى على من بقي ممن شاركوا فاروق في مسؤولية إدخال مصر في تلك الحرب ومنهم إبراهيم عبد الهادي الذي أعقب النقراشي في رئاسة الوزارة المصرية . كانت أولى التهم الموجهة إلى إبراهيم عبد الهادي بهذا النص : « أتى أعمالا تعتبر خيانة للوطن وضد سلامته في الداخل وساعدت على تمكين الاستعمار بالبلاد ، وذلك أنه خلال سنة 1948 أثناء تولية رئاسة ديوان الملك السابق عمل على تنفيذ أهوائه بان زج جيش مصر في معركة فلسطين قبل أن يتخذ الجيش أهبته لخوض غمارها » .